فصل: باب النهي عن تجريد المنكبين في الصلاة إلا إذا وجد ما يستر العورة وحدها

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار **


 باب بيان العورة وحدها

1 - عن علي رضي اللَّه عنه قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حيٍّ ولا ميت‏)‏‏.‏

رواه أبو داود وابن ماجه‏.‏

الحديث أخرجه أيضًا الحاكم والبزار من حديث علي وفيه ابن جريج عن حبيب‏.‏ وفي رواية أبي داود من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج قال أخبرت عن حبيب بن أبي ثابت وقد قال أبو حاتم في العلل‏:‏ إن الواسطة بينهما هو الحسن بن ذكوان قال‏:‏ ولا يثبت لحبيب رواية عن عاصم‏.‏ قال الحافظ‏:‏ فهذه علة أخرى كذا قال ابن معين إن حبيبًا لم يسمعه من عاصم وإن بينهما رجلًا ليس بثقة وبيَّن البزار أن الواسطة بينهما هو عمرو بن خالد الواسطي ووقع في زيادات المسند وفي الدارقطني ومسند الهيثم بن كليب تصريح ابن جريج بإخبار حبيب له وهو وهم كما قال الحافظ‏.‏

والحديث يدل على أن الفخذ عورة وقد ذهب إلى ذلك العترة والشافعي وأبو حنيفة‏.‏ قال النووي‏:‏ ذهب أكثر العلماء إلى أن الفخذ عورة وعن أحمد ومالك في رواية العورة القبل والدبر فقط وبه قال أهل الظاهر وابن جرير والأصطخري‏.‏ قال الحافظ‏:‏ في ثبوت ذلك عن ابن جرير نظر فقد ذكر المسألة في تهذيبه ورد على من زعم أن الفخذ ليست بعورة واحتجوا بما سيأتي في الباب الذي بعد هذا والحق أن الفخذ من العورة وحديث علي هذا وإن كان غير منتهض على الاستقلال ففي الباب من الأحاديث ما يصلح للاحتجاج به على المطلوب كما ستعرف ذلك‏.‏

وأما حديث عائشة وأنس الآتيان في الباب الذي بعد هذا فهما واردان في قضايا معينة مخصوصة يتطرق إليها من احتمال الخصوصية أو البقاء على أصل الإباحة ما لا يتطرق إلى الأحاديث المذكورة في هذا الباب لأنها تتضمن إعطاء حكم كلي وإظهار شرع عام فكان العمل بها أولى كما قال القرطبي على أن ظرف الفخذ قد يتسامح في كشفه لا سيما في مواطن الحرب ومواقف الخصام وقد تقرر في الأصول أن القول أرجح من الفعل‏.‏

2 - وعن محمد بن جحش قال‏:‏ ‏(‏مر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم على معمر وفخذاه مكشوفتان فقال‏:‏ يا معمر غط فخذيك فإن الفخذين عورة‏)‏‏.‏

رواه أحمد والبخاري في تاريخه‏.‏

الحديث أخرجه البخاري أيضًا في صحيحه تعليقًا والحاكم في المستدرك كلهم من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي كثير مولى محمد بن جحش عنه فذكره‏.‏

قال الحافظ في الفتح‏:‏ رجاله رجال الصحيح غير أبي كثير فقد روى عنه جماعة لكن لم أجد فيه تصريحًا بتعديل‏.‏ وقد أخرج ابن قانع هذا الحديث من طريقه أيضًا قال‏:‏ وقد وقع لي حديث محمد بن جحش هذا مسلسلًا بالمحمديين من ابتدائه إلى انتهائه وقد أمليته في الأربعين المتباينة‏.‏

والحديث يدل على أن الفخذ عورة وقد تقدم ذكر الخلاف فيه وبيان ما هو الحق‏.‏ ومحمد بن جحش هذا هو محمد بن عبد اللَّه بن جحش نسب إلى جده له ولأبيه صحبة وزينب بنت جحش هي عمته ومعمر المشار إليه هو معمر بن عبد اللَّه بن نضلة القرشي العدوي‏.‏

وعن ابن عباس‏:‏ ‏(‏عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ الفخذ عورة‏)‏‏.‏

رواه الترمذي وأحمد ولفظه‏:‏ ‏(‏مر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على رجل وفخذه خارجة فقال‏:‏ غط فخذيك فإن فخذ الرجل من عورته‏)‏‏.‏

الحديث في إسناده أبو يحيى القتات بقاف ومثناتين وهو ضعيف مشهور بكنيته‏.‏ واختلف في اسمه على ستة أقوال أو سبعة أشهرها دينار‏.‏ وقد أخرج هذا الحديث البخاري في صحيحه تعليقًا وهو يدل على أن الفخذ عورة وقد تقدم الكلام في ذلك‏.‏

4 - وعن جرهد الأسلمي قال‏:‏ ‏(‏مر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم وعليَّ بردة وقد انكشفت فخذي فقال‏:‏ غط فخذك فإن الفخذ عورة‏)‏‏.‏

رواه مالك في الموطأ وأحمد وأبو داود والترمذي وقال‏:‏ حسن‏.‏

الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان وصححه وعلقه البخاري في صحيحه وضعفه في تاريخه للاضطراب في إسناده‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وقد ذكرت كثيرًا من طرقه في تغليق التعليق‏.‏ وجرهد هذا هو بفتح الجيم وسكون الراء وفتح الهاء‏.‏ والحديث من أدلة القائلين بأن الفخذ عورة وهم الجمهور كما تقدم‏.‏

 باب من لم ير الفخذ من العورة وقال هي السوأتان فقط

1 - عن عائشة‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم كان جالسًا كاشفًا عن فخذه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله ثم استأذن عمر فأذن له وهو على حاله ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه فلما قاموا قلت‏:‏ يا رسول اللَّه استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك فقال‏:‏ يا عائشة ألا أستحيي من رجل واللَّه إن الملائكة لتستحيي منه‏)‏‏.‏

رواه أحمد‏.‏ وروى أحمد هذه القصة من حديث حفصة بنحو ذلك ولفظه‏:‏ ‏(‏دخل على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ذات يوم فوضع ثوبه بين فخذيه وفيه فلما استأذن عثمان تجلل بثوبه‏)‏‏.‏

الحديث أخرج نحوه البخاري تعليقًا فقال في صحيحه في بعض ما يذكر في الفخذ وقال أبو موسى‏:‏ غطى النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم ركبتيه حين دخل عثمان‏.‏ وأخرجه مسلم من حديث عائشة بلفظ‏:‏ ‏(‏قالت‏:‏ كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم مضطجعًا في بيتي كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه‏)‏ الحديث وفيه فلما استأذن عثمان جلس‏.‏ وحديث حفصة أخرجه الطحاوي والبيهقي من طريق ابن جريج قال أخبرني أبو خالد عن عبد اللَّه بن سعيد المدني حدثتني حفصة بنت عمر‏:‏ ‏(‏قالت‏:‏ كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عندي يومًا وقد وضع ثوبه بين فخذيه فدخل أبو بكر‏)‏ الحديث‏.‏

والحديث استدل به من قال إن الفخذ ليست بعورة وقد تقدم ذكرهم في الباب الأول وهو لا ينتهض لمعارضة الأحاديث المتقدمة لوجوه‏:‏ الأول ما قدمنا من أنها حكاية فعل‏.‏ الثاني أنها لا تقوى على معارضة تلك الأقوال الصحيحة العامة لجميع الرجال‏.‏ الثالث التردد الواقع في رواية مسلم التي ذكرناها ما بين الفخذ والساق والساق ليس بعورة إجماعًا‏.‏ الرابع غاية ما في هذه الواقعة أن يكون ذلك خاصًا ـ أقول‏:‏ أما دعوى الخصوصية في هذا غير معقولة إذ كيف يأمر بالحياء غيره وهو في المكان الأعلى من ذلك‏.‏ فيحمل أن فعله صلى اللَّه عليه وآله وسلم صرف الأمر عن ظاهره الذي هو الوجوب إلى الكراهة فتدبر‏.‏ واللَّه أعلم ـ‏.‏ بالنبي صلى اللَّه عليه وسلم لأنه لم يظهر فيها دليل يدل على التأسي به في مثل ذلك فالواجب التمسك بتلك الأقوال الناصة على أن الفخذ عورة‏.‏

2 -وعن أنس‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذه‏)‏‏.‏

رواه أحمد والبخاري وقال‏:‏ حديث أنس أسند وحديث جرهد أحوط‏.‏

قوله ‏(‏حسر الإزار‏)‏ بمهملات مفتوحات أي كشف وضبطه بعضهم بضم أوله وكسر ثانيه على البناء للمفعول بدليل رواية مسلم فانحسر‏.‏ قال الحافظ‏:‏ وليس ذلك بمستقيم إذ لا يلزم من وقوعه كذلك في رواية مسلم أن لا يقع عند البخاري على خلافه وزاد البخاري في هذا الحديث عن أنس بلفظ‏:‏ ‏(‏وإن ركبتي لتمس فخذ نبي اللَّه‏)‏ وهو من جملة حجج القائلين بأن الفخذ ليست بعورة لأن ظاهره أن المس كان بدون الحائل ومس العورة بدون حائل لا يجوز ورد بما في صحيح مسلم ومن تابعه من أن الإزار لم تنكشف بقصد منه صلى اللَّه عليه وسلم ويمكن أن يقال إن الاستمرار على ذلك يدل على مطلوبهم لأنه وإن كان من غير قصد لكن لو كانت عورة لم يقر على ذلك لمكان عصمته صلى اللَّه عليه وسلم وظاهر سياق أبي عوانة والجوزقي من طريقي عبد الوارث عن عبد العزيز يدل على استمرار ذلك لأنه بلفظ‏:‏ ‏(‏فأجرى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي اللَّه وإني لأرى بياض فخذيه‏)‏ وقد عرفت الجواب عن هذا الاحتجاج مما سلف‏.‏

 باب بيان أن السرة والركبة ليستا من العورة

1 - عن أبي موسى‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم كان قاعدًا في مكان فيه ماء فكشف عن ركبتيه أو ركبته فلما دخل عثمان غطاها‏)‏‏.‏

رواه البخاري‏.‏

الحديث في البخاري في كتاب الصلاة باللفظ الذي ذكرناه في شرح حديث عائشة وقد تقدم الكلام على الحديث هنالك وهو بهذا اللفظ المذكور هنا في المناقب من صحيح البخاري‏.‏ واستدل المصنف به وبما بعده لمذهب من قال إن الركبة والسرة ليستا من العورة أما الركبة فقال الشافعي‏:‏ إنها ليست عورة وقال الهادي والمؤيد باللَّه وأبو حنيفة وعطاء وهو قول الشافعي‏:‏ إنها عورة وأما السرة فالقائلون بأن الركبة عورة قائلون بأنها غير عورة وخالفهم في ذلك الشافعي فقال‏:‏ إنها عورة على عكس ما مر له في الركبة والاحتجاج بحديث الباب لمن قال إن الركبة ليست بعورة لا يتم لأن الكشف كان لعذر الدخول في الماء وقد تقدم في الغسل أدلة جوازه والخلاف فيه وأيضًا تغطيتها من عثمان مشعر بأنها عورة وإن أمكن تعليل التغطية بغير ذلك فغاية الأمر الاحتمال‏.‏

واستدل القائلون بأن الركبة من العورة بحديث أبي أيوب عند الدارقطني والبيهقي بلفظ‏:‏ ‏(‏عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته‏)‏ وحديث أبي سعيد مرفوعًا عند الحارث ابن أبي أسامة في مسنده بلفظ‏:‏ ‏(‏عورة الرجل ما بين سرته وركبته‏)‏ وحديث عبد اللَّه بن جعفر عند الحاكم بنحوه قالوا‏:‏ والحد يدخل في المحدود كالمرفق وتغليبًا لجانب الحصر ورد أولًا بأن حديث أبي أيوب فيه عباد بن كثير وهو متروك وحديث أبي سعيد فيه شيخ الحارث ابن أبي أسامة داود بن المحبر رواه عن عباد بن كثير عن أبي عبد اللَّه الشامي عن عطاء عنه وهو مسلسل بالضعفاء إلى عطاء وحديث عبد اللَّه بن جعفر فيه أصرم بن حوشب وهو متروك وبالمنع من دخول الحد في المحدود والقياس على الوضوء باطل لأنه دخل بدليل آخر ولأن غسله من مقدمة الواجب وأيضًا يلزمهم القول بأن السرة عورة وهم لا يقولون بذلك والجواب الجواب‏.‏

وقد استدل المهدي في البحر للقائلين بأن الركبة عورة لا السرة بقوله صلى اللَّه عليه وسلم ‏(‏أسفل من سرته إلى ركبته‏)‏ وبتقبيل أبي هريرة سرة الحسن وروايته ذلك عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كما سيأتي‏.‏

ويمكن الاستدلال لمن قال إن السرة والركبة ليستا من العورة بما في سنن أبي داود والدارقطني وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في حديث ‏(‏وإذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة‏)‏ ورواه البيهقي أيضًا ولكنه أخص من الدعوى والدليل على مدعي أنهما عورة والواجب البقاء على الأصل والتمسك بالبراءة حتى ينتهض ما يتعين به الانتقال فإن لم يوجد فالرجوع إلى مسمى العورة لغة هو الواجب ويضم إليه الفخذان بالنصوص السالفة‏.‏

2 - وعن عمير بن إسحاق قال‏:‏ ‏(‏كنت مع الحسن بن علي فلقينا أبو هريرة فقال‏:‏ أرني أقبل منك حيث رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم يقبل فقال بقميصه فقبل سرته‏)‏‏.‏

رواه أحمد‏.‏

الحديث في إسناده عمير بن إسحاق الهاشمي مولاهم وفيه مقال‏.‏ وقد أخرجه الحاكم وصححه بإسناد آخر من غير طريق عمير المذكور وقد استدل به من قال إن السرة ليست بعورة وهو لا يفيد المطلوب لأن فعل أبي هريرة لا حجة فيه وفعل النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقع والحسن طفل وفرق بين عورة الصغير والكبير وإلا لزم أن ذكر الرجل ليس بعورة لما روي أنه صلى اللَّه عليه وسلم قبل زبيبة الحسن أو الحسين أخرجه الطبراني والبيهقي من حديث أبي ليلى الأنصاري قال البيهقي‏:‏ وإسناده ليس بالقوي وروي أيضًا من حديث ابن عباس بلفظ‏:‏ ‏(‏رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم فرج ما بين فخذي الحسين وقبل زبيبته‏)‏ أخرجه الطبراني وفي إسناده قابوس بن أبي ظبيان وقد ضعفه النسائي‏.‏ قال ابن الصلاح‏:‏ ليس في حديث أبي ليلى تردد بين الحسن والحسين إنما هو الحسن وقد وقع الإجماع على أن القبل والدبر عورة فاللازم باطل فلا يكون الحديث متمسكًا لمن قال إن السرة ليست بعورة وقد حكى المهدي في البحر الإجماع على أن سرة الرجل ليست بعورة ثم قال‏:‏ وفي دعوى الإجماع نظر وقد عرفناك أن القائل بذلك غير محتاج إلى الاستدلال عليه‏.‏

قوله ‏(‏فقال بقميصه‏)‏ هذا من التعبير بالقول عن الفعل وهو كثير‏.‏

3 - وعن عبد اللَّه بن عمر قال‏:‏ ‏(‏صلينا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم المغرب فرجع من رجع وعقب من عقب فجاء رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم مسرعًا قد حفزه النفس قد حسر عن ركبتيه فقال‏:‏ أبشروا هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء يباهي بكم يقول‏:‏ انظروا إلى عبادي قد صلوا فريضة وهم ينتظرون أخرى‏)‏‏.‏

رواه ابن ماجه‏.‏

الحديث رجاله في سنن ابن ماجه رجال الصحيح فإنه قال حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي حدثنا النضر بن شميل حدثنا حماد عن ثابت عن أبي أيوب عن عبد اللَّه بن عمرو فذكره‏.‏

قوله ‏(‏وعقب من عقب‏)‏ يقال عقبه تعقيبًا إذا جاء بعقبة وقال في النهاية‏:‏ إن معنى قوله عقب أي أقام في مصلاه بعد ما يفرغ من الصلاة يقال صلى القوم وعقب فلان‏.‏

قوله ‏(‏حفزه النفس‏)‏ في القاموس حفزه يحفزه دفعه من خلفه وبالرمح طعنه وعن الأمر أعجله وأزعجه اهـ‏.‏

والحديث من أدلة من قال إن الركبة ليست بعورة وقد تقدم الكلام على ذلك وفيه إن انتظار الصلاة بعد فعل الصلاة من موجبات الأجر وأسباب مباهاة رب العزة لملائكته بمن فعل ذلك‏.‏

4 - وعن أبي الدرداء قال‏:‏ ‏(‏كنت جالسًا مع النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم إذا أقبل أبو بكر أخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه فقال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ أما صاحبكم فقد غامر فسلم‏)‏ وذكر الحديث‏.‏

رواه أحمد والبخاري‏.‏

قوله ‏(‏غامر‏)‏ المغامر في الأصل الملقي بنفسه في الغمرة وغمرة الشيء شدته ومزدحمه الجمع غمرات‏.‏ والمراد بالمغامرة هنا المخاصمة أخذًا من الغمر الذي هو الحقد والبغض‏.‏ والحديث يدل على أن الركبة ليست عورة‏.‏

قال المصنف رحمه اللَّه‏:‏ والحجة منه أنه أقره على كشف الركبة ولم ينكره عليه اهـ‏.‏

 باب أن المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها

1 - عن عائشة‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار‏)‏‏.‏

رواه الخمسة إلا النسائي‏.‏

الحديث أخرجه أيضًا ابن خزيمة والحاكم وأعله الدارقطني بالوقف وقال‏:‏ إن وقفه أشبه وأعله الحاكم بالإرسال ورواه الطبراني في الصغير والأوسط من حديث أبي قتادة بلفظ‏:‏ ‏(‏لا يقبل اللَّه من امرأة صلاة حتى تواري زينتها ولا من جارية بلغت الحيض حتى تختمر‏)‏‏.‏

قوله ‏(‏لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار‏)‏ قد تقدم الكلام على لفظ القبول وما يدل عليه‏.‏ والحائض من بلغت سن المحيض لا من هي ملابسة للحيض فإنها ممنوعة من الصلاة وهو مبين في رواية ابن خزيمة في صحيحه بلفظ‏:‏ ‏(‏لا يقبل اللَّه صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار‏)‏ وقوله ‏(‏إلا بخمار‏)‏ هو بكسر الخاء ما يغطى به رأس المرأة‏.‏ قال صاحب المحكم‏:‏ الخمار النصيف وجمعه أخمرة وخمر‏.‏

والحديث استدل به على وجوب ستر المرأة لرأسها حال الصلاة واستدل به من سوى بين الحرة والأمة في العورة لعموم ذكر الحائض ولم يفرق بين الحرة والأمة وهو قول أهل الظاهر‏.‏ وفرقت العترة والشافعي وأبو حنيفة والجمهور بين عورة الحرة والأمة فجعلوا عورة الأمة ما بين السرة والركبة كالرجل‏.‏ والحجة لهم ما رواه أبو داود والدارقطني وغيرهما وقد ذكرنا لفظ الحديث في شرح حديث أبي موسى المتقدم في الباب الذي قبل هذا وبما رواه أبو داود أيضًا بلفظ‏:‏ ‏(‏إذا زوج أحدكم عبده أمته فلا ينظر إلى عورتها‏)‏ قالوا‏:‏ والمراد بالعورة المذكورة في هذا الحديث ما صرح ببيانه في الحديث الأول‏.‏ وقال مالك‏:‏ الأمة عورتها كالحرة حاشا شعرها فليس بعورة وكأنه رأى العمل في الحجاز على كشف الإماء لرؤوسهن هكذا حكاه عنه ابن عبد البر في الاستذكار‏.‏ قال العراقي في شرح الترمذي‏:‏ والمشهور عنه أن عورة الأمة كالرجل وقد اختلف في مقدار عورة الحرة فقيل جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين وإلى ذلك ذهب الهادي والقاسم في أحد قوليه والشافعي في أحد أقواله وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه ومالك‏.‏ وقيل والقدمين وموضع الخلخال وإلى ذلك ذهب القاسم في قول وأبو حنيفة في رواية عنه والثوري وأبو العباس وقيل بل جميعها إلا الوجه وإليه ذهب أحمد بن حنبل وداود‏.‏ وقيل جميعها بدون استثناء وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي وروي عن أحمد‏.‏

وسبب اختلاف هذه الأقوال ما وقع من المفسرين من الاختلاف في تفسير قوله تعالى ‏{‏إلا ما ظهر منها‏}‏ وقد استدل بهذا الحديث على أن ستر العورة شرط في صحة الصلاة لأن قوله لا يقبل صالح للاستدلال به على الشرطية كما قيل‏.‏

وقد اختلف في ذلك فقال الحافظ في الفتح‏:‏ ذهب الجمهور إلى أن ستر العورة من شروط الصلاة قال‏:‏ وعن بعض المالكية التفرقة بين الذاكر والناسي ومنهم من أطلق كونه سنة لا يبطل تركها الصلاة اهـ‏.‏

ـ احتج الجمهور ـ بقوله تعالى ‏{‏خذوا زينتكم عند كل مسجد‏}‏ وبما أخرجه البخاري تعليقًا ووصله في تاريخه وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان عن سلمة بن الأكوع قال‏:‏ ‏(‏قلت يا رسول اللَّه إني رجل أتصيد أفأصلي في القميص الواحد قال‏:‏ نعم زره ولو بشوكة‏)‏ وسيأتي الكلام على هذا الحديث في باب من صلى في قميص غير مزرر‏.‏ وبحديث بهز بن حكيم المتقدم في أول هذه الأبواب‏.‏

ويجاب عن هذه الأدلة بأن غايتها إفادة الوجوب‏.‏ وأما الشرطية التي يؤثر عدمها في عدم المشروط فلا تصلح للاستدلال بها عليها لأن الشرط حكم وضعي شرعي لا يثبت بمجرد الأوامر نعم يمكن الاستدلال للشرطية بحديث الباب والحديث الآتي بعده وبحديث أبي قتادة عند الطبراني بلفظ‏:‏ ‏(‏لا يقبل اللَّه من امرأة صلاة حتى تواري زينتها ولا جارية بلغت المحيض حتى تختمر‏)‏ لكن لا يصفو الاستدلال بذلك عن شوب كدر لأنه أولًا يقال نحن نمنع أن نفي القبول يدل على الشرطية لأنه قد نفى القبول عن صلاة الآبق ومن في جوفه الخمر ومن يأتي عرافًا مع ثبوت الصحة بالإجماع‏.‏ وثانيًا بأن غاية ذلك أن الستر شرط لصحة صلاة المرأة وهو أخص من الدعوى وإلحاق الرجال بالنساء لا يصح ههنا لوجود الفارق وهو ما في تكشف المرأة من الفتنة وهذا معنى لا يوجد في عورة الرجل‏.‏ وثالثًا بحديث سهل بن سعد عند الشيخين وأبي داود والنسائي بلفظ‏:‏ ‏(‏كان الرجال يصلون مع النبي صلى اللَّه عليه وسلم عاقدين أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى تستوي الرجال جلوسًا‏)‏ زاد أبو داود ‏(‏من ضيق الأزر‏)‏ وهذا يدل على عدم وجوب الستر فضلًا عن شرطيته‏.‏ ورابعًا بحديث عمرو بن سلمة وفيه‏:‏ ‏(‏فكنت أئمهم وعليَّ بردة مفتوقة فكنت إذا سجدت تقلصت عني‏)‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏خرجت أستي فقالت امرأة من الحي‏:‏ ألا تغطوا عنا أست قارئكم‏)‏ الحديث أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي فالحق أن ستر العورة في الصلاة واجب فقط كسائر الحالات لا شرط يقتضي تركه عدم الصحة‏.‏

ـ وقد احتج القائلون ـ لعدم الشرطية على مطلوبهم بحجج فقهية واهية منها قولهم‏:‏ لو كان الستر شرطًا في الصلاة لاختص بها ولافتقر إلى النية ولكان العاجز العريان ينتقل إلى بدل كالعاجز عن القيام ينتقل إلى القعود والأول منقوض بالإيمان فهو شرط في الصلاة ولا يختص بها والثاني باستقبال القبلة فإنه غير مفتقر إلى النية‏.‏ والثالث بالعاجز عن القراءة والتسبيح فإنه يصلي ساكتًا‏.‏

2 - وعن أم سلمة‏:‏ ‏(‏أنها سألت النبي صلى اللَّه عليه وسلم‏:‏ أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار وقال‏:‏ إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها‏)‏‏.‏

رواه أبو داود‏.‏

3 - وعن ابن عمر قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ من جر ثوبه خيلاء لم ينظر اللَّه إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة‏:‏ فكيف يصنع النساء بذيولهن قال‏:‏ يرخين شبرًا قالت‏:‏ إذن ينكشف أقدامهن قال‏:‏ فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه‏)‏‏.‏

رواه النسائي والترمذي وصححه‏.‏ ورواه أحمد ولفظه‏:‏ ‏(‏أن نساء النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم سألته عن الذيل فقال‏:‏ اجعلنه شبرًا فقلن‏:‏ إن شبرًا لا يستر من عورة فقال‏:‏ اجعلنه ذراعًا‏)‏‏.‏

حديث أم سلمة أخرجه أيضًا الحاكم وأعله عبد الحق بأن مالكًا وغيره رووه موقوفًا‏.‏ قال الحافظ‏:‏ وهو الصواب ولكنه قد قال الحاكم‏:‏ إن رفعه صحيح على شرط البخاري اهـ‏.‏ وفي إسناده عبد الرحمن بن دينار وفيه مقال قال في التقريب‏:‏ صدوق يخطئ من السابعة‏.‏

قال أبو داود‏:‏ روى هذا الحديث مالك بن أنس وبكر بن مضر وحفص بن غياث وإسماعيل بن جعفر وابن أبي ذئب وابن إسحاق عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة لم يذكر واحد منهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم قصروا به عن أم سلمة اهـ‏.‏ والرفع زيادة لا ينبغي إلغاؤها كما هو مصطلح أهل الأصول وبعض أهل الحديث وهو الحق وحديث ابن عمر هو للجماعة كلهم بدون قول أم سلمة وجواب النبي صلى اللَّه عليه وسلم عليها وسيأتي الكلام عليه في باب الرخصة في اللباس الجميل من كتاب اللباس‏.‏

وقد استدل بحديث أم سلمة فإن في بعض ألفاظه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال لها‏:‏ لا بأس إذا كان الدرع سابغًا الخ كما في التلخيص على أن ستر بدن المرأة من شروط صحة الصلاة لأن تقييد نفي البأس بتغطية القدمين مشعر أن البأس فيما عداه ليس إلا فساد الصلاة وأنت خبير بأن هذا الإشعار لو سلم لم يستلزم حصر البأس في الإفساد لأن نقصان الأجر الموجب لنقص الصلاة وعدم كمالها مع صحتها بأس ولو سلم ذلك الاستلزام فغايته أن يفيد الشرطية في النساء كما عرفت مما سلف‏.‏

وفي هذا الحديث دليل لمن لم يستثن القدمين من عورة المرأة لأن قوله ‏(‏يغطي ظهور قدميها‏)‏ يدل على عدم العفو وهكذا استدل من قال بالشرطية بما في حديث ابن عمر من قوله صلى اللَّه عليه وسلم ‏(‏يرخين شبرًا‏)‏ وقوله ‏(‏يرخينه ذراعًا‏)‏ وهو كما عرفت غير صالح للاستدلال به على الشرطية المدعاة وغاية ما فيه أن يدل على وجوب ذلك‏.‏ وفيه أيضًا حجة لمن قال‏:‏ إن قدمي المرأة عورة‏.‏

قوله ‏(‏في درع‏)‏ هو قميص المرأة الذي يغطي بدنها ورجلها ويقال له سابغ إذا طال من فوق إلى أسفل‏.‏

قوله ‏(‏يرخين شبرًا‏)‏ قال ابن رسلان‏:‏ الظاهر أن المراد بالشبر والذراع أن يكون هذا القدر زائدًا على قميص الرجل لا أنه زائد على الأرض‏.‏

 باب النهي عن تجريد المنكبين في الصلاة إلا إذا وجد ما يستر العورة وحدها

1 - عن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال‏:‏ لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء‏)‏‏.‏

رواه البخاري ومسلم ولكن قال‏:‏ ‏(‏على عاتقيه‏)‏ ولأحمد اللفظان‏.‏

الحديث اتفق عليه الشيخان وأبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة‏.‏

قوله ‏(‏لا يصلين‏)‏ في لفظ‏:‏ ‏(‏لا يصلي‏)‏ قال ابن الأثير‏:‏ كذا هو في الصحيحين بإثبات الياء ووجهه أن لا نافية وهو خبر بمعنى النهي‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ورواه الدارقطني في غرائب مالك بلفظ‏:‏ ‏(‏لا يصل‏)‏ ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء عن مالك بلفظ‏:‏ ‏(‏لا يصلين‏)‏ بزيادة نون التأكيد ورواه الإسماعيلي من طريق الثوري عن أبي الزناد بلفظ‏:‏ ‏(‏نهى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏)‏‏.‏

قوله ‏(‏ليس على عاتقه منه شيء‏)‏ العاتق ما بين المنكبين إلى أصل العنق والمراد أنه لا يتزر في وسطه ويشد طرفي الثوب في حقويه بل يتوشح بهما على عاتقيه فيحصل الستر من أعالي البدن وإن كان ليس بعورة أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة‏.‏ قال النووي‏:‏ قال العلماء‏:‏ حكمته أنه إذا اتزر به ولم يكن على عاتقه منه شيء لم يؤمن أن تنكشف عورته بخلاف ما إذا جعل بعضه على عاتقه ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده فيشتغل بذلك وتفوته سنة وضع اليمنى على اليسرى تحت صدره ورفعهما‏.‏

والحديث يدل على جواز الصلاة في الثوب الواحد‏.‏ قال النووي‏:‏ ولا خلاف في هذا إلا ما حكى عن ابن مسعود ولا أعلم صحته وأجمعوا أن الصلاة في ثوبين أفضل‏.‏ ويدل أيضًا على المنع من الصلاة في الثوب الواحد إذا يكن على عاتق المصلي منه شيء وقد حمل الجمهور هذا النهي على التنزيه وعن أحمد لا تصح صلاة من قدر على ذلك فتركه وعنه أيضًا تصح ويأثم وغفل الكرماني عن مذهب أحمد فادعى الإجماع على جواز ترك جعل طرف الثوب على العاتق وجعله صارفًا للنهي عن التحريم إلى الكراهة‏.‏ وقد نقل ابن المنذر عن محمد بن علي عدم الجواز وكلام الترمذي يدل على ثبوت الخلاف أيضًا وعقد الطحاوي له بابًا في شرح المغني ونقل المنع عن ابن عمر ثم عن طاوس والنخعي ونقله غيره عن ابن وهب وابن جرير وجمع الطحاوي بين الأحاديث بأن الأصل أن يصلي مشتملًا فإن ضاق اتزر‏.‏

ونقل الشيخ تقي الدين السبكي وجوب ذلك عن الشافعي واختاره‏.‏ قال الحافظ‏:‏ لكن المعروف في كتب الشافعية خلافه‏.‏ واستدل الخطابي على عدم الوجوب بأنه صلى اللَّه عليه وآله وسلم صلى في ثوب كان أحد طرفيه على بعض نسائه وهي نائمة قال‏:‏ ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لأن يتزر به ويفضل منه ما كان لعاتقه وفيما قاله نظر لا يخفى قاله الحافظ‏.‏ إذا تقرر لك عدم صحة الإجماع الذي جعله الكرماني صارفًا للنهي فالواجب الجزم بمعناه الحقيقي وهو تحريم ترك جعل طرف الثوب الواحد حال الصلاة على العاتق والجزم بوجوبه مع المخالفة بين طرفيه بالحديث الآتي حتى ينتهض دليل يصلح للصرف ولكن هذا في الثوب إذا كان واسعًا جمعًا بين الأحاديث كما سيأتي التصريح بذلك في حديث جابر‏.‏ وقد عمل بظاهر الحديث ابن حزم فقال‏:‏ وفرض على الرجل إن صلى في ثوب واسع أن يطرح منه على عاتقه أو عاتقيه فإن لم يفعل بطلت صلاته فإن كان ضيقًا اتزر به وأجزأه سواء كان معه ثياب غيره أو لم يكن ثم ذكر ذلك عن نافع مولى ابن عمر والنخعي وطاوس‏.‏

2 - وعن أبي هريرة قال‏:‏ ‏(‏سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم يقول‏:‏ من صلى في ثوب واحد فليخالف بطرفيه‏)‏‏.‏

رواه البخاري وأحمد وأبو داود وزاد‏:‏ ‏(‏على عاتقيه‏)‏‏.‏

أخرج هذه الزيادة أحمد وكذا الإسماعيلي وأبو نعيم من طريق حسين عن شيبان‏.‏ وقد حمل الجمهور هذا الأمر على الاستحباب وخالفهم في ذلك أحمد‏.‏ والخلاف في الأمر ههنا كالخلاف في النهي في الحديث الذي قبل هذا‏.‏

وفي الباب عن عمر بن أبي سلمة عند الجماعة كلهم وعن سلمة بن الأكوع عند أبي داود والنسائي وعن أنس عند البزار والموصلي في مسنديهما وعن عمرو بن أبي أسد عند البغوي في معجم الصحابة والحسن بن سفيان في مسنده وعن أبي سعيد عند مسلم وابن ماجه وعن كيسان عند ابن ماجه وعن ابن عباس عند أحمد بإسناد صحيح وعن عائشة عند أبي داود وعن أم هانئ عند الشيخين وعن عمار بن ياسر عند أبي يعلى والطبراني وعن طلق بن علي عند أبي داود وعن عبادة بن الصامت عند الطبراني وعن أُبيَّ بن كعب عند عبد اللَّه بن أحمد في زياداته على المسند وعن حذيفة عند أحمد وعن سهل بن سعد عند الشيخين وأبي داود والنسائي وعن عبد اللَّه بن أبي أمية عند الطبراني وعن عبد اللَّه بن أنيس عند الطبراني أيضًا وعن عبد اللَّه بن سرجس عند الطبراني أيضًا وعن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن المغيرة عند أحمد وعن عبد اللَّه بن عمر عند أبي داود وعن علي بن أبي طالب عند الطبراني وعن معاذ عند الطبراني أيضًا وعن معاوية عند الطبراني أيضًا وعن أبي أمامة عند الطبراني أيضًا وعن أبي بكر الصديق عند أبي يعلى الموصلي وعن أبي عبد الرحمن حاضن عائشة عند الطبراني وعن أم حبيبة عند أحمد وعن أم الفضل عند أحمد وعن رجل من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم لم يسم عند أحمد بإسناد صحيح‏.‏

3 - وعن جابر عن عبد اللَّه‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال‏:‏ إذا صليت في ثوب واحد فإن كان واسعًا فالتحف به وإن كان ضيقًا فاتزر به‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏ ولفظه لأحمد‏.‏ وفي لفظ له آخر‏:‏ قال‏:‏ ‏(‏قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم‏:‏ إذا ما اتسع الثوب فلتعاطف به على منكبيك ثم صل وإذا ضاق عن ذلك فشد به حقويك ثم صل من غير رداء‏)‏‏.‏

قوله ‏(‏فالتحف به‏)‏ الالتحاف بالثوب التغطي به كما أفاده في القاموس‏.‏ والمراد أنه لا يشد الثوب في وسطه فيصلي مكشوف المنكبين بل يتزر به ويرفع طرفيه فليلتحف بهما فيكون بمنزلة الإزار والرداء هذا إذا كان الثوب واسعًا وأما إذا كان ضيقًا جاز الاتزار به من دون كراهة وبهذا يجمع بين الأحاديث كما ذكره الطحاوي وغيره‏.‏

واختاره ابن المنذر وابن حزم وهو الحق الذي يتعين المصير إليه فالقول بوجوب طرح الثوب على العاتق والمخالفة من غير فرق بين الثوب الواسع والضيق ترك للعمل بهذا الحديث وتعسير مناف للشريعة السمحة وإن أمكن الاستئناس له بحديث ‏(‏أن رجالًا كانوا يصلون مع النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى تستوي الرجال جلوسًا‏)‏ عند الشيخين وأبي داود والنسائي من حديث سهل بن سعد‏.‏

قوله ‏(‏فشد به حقويك‏)‏ الحقو بفتح الحاء المهملة موضع شد الإزار وهو الخاصرة ثم توسعوا فيه حتى سموا الإزار الذي يشد على العورة حقوًا‏.‏

 باب من صلى في قميص غير مزرر تبدو منه عورته في الركوع أو غيره

1 - عن سلمة بن الأكوع قال‏:‏ ‏(‏قلت يا رسول اللَّه إني أكون في الصيد وأصلي وليس عليَّ إلا قميص واحد قال‏:‏ فزره وإن لم تجد إلا شوكة‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود والنسائي‏.‏

الحديث أخرجه أيضًا الشافعي وابن خزيمة والطحاوي وابن حبان والحاكم وعلقه البخاري في صحيحه ووصله في تاريخه وقال‏:‏ في إسناده نظر‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وقد بينت طرقه في تغليق التعليق وله شاهد مرسل وفيه انقطاع أخرجه البيهقي وقد رواه البخاري أيضًا عن إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن موسى بن إبراهيم عن أبيه عن سلمة زاد في الإسناد رجلًا ورواه أيضًا عن مالك بن إسماعيل عن عطاف بن خالد قال حدثنا موسى بن إبراهيم قال حدثنا سلمة فصرح بالتحديث بين موسى وسلمة فاحتمل أن يكون رواية أبي أويس من المزيد في متصل الأسانيد أو يكون التصريح في رواية عطاف وهمًا فهذا وجه النظر في إسناده الذي ذكره البخاري‏.‏ وأما من صححه فاعتمد على رواية الدراوردي وجعل رواية عطاف شاهدة لاتصالها‏.‏ وطريق عطاف أخرجها أيضًا أحمد والنسائي‏.‏ وأما قول ابن القطان أن موسى هو ابن محمد بن إبراهيم التيمي المضعف عند البخاري وأبي حاتم وأبي داود وأنه نسب هنا إلى جده فليس بمستقيم لأنه نسب في رواية البخاري وغيره مخزوميًا وهو غير التيمي فلا تردد نعم وقع عند الطحاوي موسى بن محمد بن إبراهيم فإن كان محفوظًا فيحتمل على بعد أن يكونا جميعًا رويا الحديث وحمله عنهما الدراوردي وإلا فذكر محمد فيه شاذ كذا قال الحافظ‏.‏

قوله ‏(‏في الصيد‏)‏ جاء في رواية بلفظ‏:‏ ‏(‏إنا نكون في الصف‏)‏ وفي أخرى بالصف وقد جمع ابن الأثير بين الروايات في شرحه للمسند بما حاصله أن ذكر الصيد لأن الصائد يحتاج أن يكون خفيفًا ليس عليه ما يشغله عن الإسراع في طلب الصيد وذكر الصف معناه أن يصلي في جماعة وليس عليه إلا قميص واحد فربما بدت عورته وذكر الصف لأنه مظنة للحر لا سيما في الحجاز لا يمكن معه الإكثار من اللباس‏.‏

قوله ‏(‏فزره‏)‏ هكذا وقع هنا‏.‏ وفي رواية البخاري قال‏:‏ يزره‏.‏ وفي رواية أبي داود‏:‏ فازرره‏.‏ وفي رواية ابن حبان والنسائي زره والمراد شد القميص والجمع بين طرفيه لئلا تبدو عورته ولو لم يمكنه ذلك إلا بأن يغرز طرف شوكة يستمسك بها‏.‏

والحديث يدل على جواز الصلاة في الثوب الواحد وفي القميص منفردًا عن غيره مقيدًا بعقد الزرار وقد تقدم الخلاف في ذلك‏.‏

2 - وعن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم نهى أن يصلي الرجل حتى يحتزم‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود‏.‏

هذا الحديث وقع البحث عنه في سنن أبي داود ومسند أحمد والجامع الكبير ومجمع الزوائد فلم يوجد بهذا اللفظ فينظر في نسبة المصنف له إلى أحمد وأبي داود ولكنه يشهد له الأمر بشد الإزار على الحقو وقد تقدم لأن الاحتزام شد الوسط كما في القاموس وغيره وكذلك حديث ‏(‏وإن كان ضيقًا فاتزر به‏)‏ عند الشيخين كما تقدم لأن الاتزار شد الإزار على الحقو فيكون هذا النهي مقيدًا بالثوب الضيق كما في غيره من الأحاديث وقد تقدم الكلام على ذلك‏.‏

3 - وعن عروة بن عبد اللَّه عن معاوية بن قرة عن أبيه قال‏:‏ ‏(‏أتيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم في رهط من مزينة فبايعناه وإن قميصه لمطلق قال‏:‏ فبايعته فأدخلت يدي من قميصه فمسست الخاتم قال عروة‏:‏ فما رأيت معاوية ولا أباه في شتاء ولا حر إلا مطلقي إزرارهما لا يزرران أبدًا‏)‏‏.‏

رواه أحمد وأبو داود‏.‏

الحديث أخرجه أيضًا الترمذي وابن ماجه وذكر الدارقطني أن هذا الحديث تفرد به ـ لم يذكر اسم من تفرد به ولعله زهير عن عروة لأن الحافظ ذكر في الإصابة عن البغوي في ترجمة قرة المذكور هذا الحديث ثم قال‏:‏ قال البغوي‏:‏ غريب لا أعلم رواه غير زهير عن عروة ولعله سقط من النسخة‏.‏ تنبه‏.‏ واللَّه أعلم ـ‏.‏ وذكر ابن عبد البر أن قرة بن إياس والد معاوية المذكور ولم يرو عنه غير ابنه معاوية وفي إسناده أبو مهل بميم ثم هاء مفتوحتين ولام مخففة الجعفي الكوفي وقد وثقه أبو زرعة الرازي وذكره ابن حبان‏.‏

قوله ‏(‏وعن عروة بن عبد اللَّه‏)‏ هو ابن نفيل النفيلي وقيل ابن قشير وهو أبو مهل المذكور الراوي عن معاوية بن قرة‏.‏

قوله ‏(‏وإن قميصه‏)‏ بكسر الهمزة لأنها بعد واو الحال‏.‏

قوله ‏(‏لمطلق‏)‏ أي غير مشدود وكان عادة العرب أن تكون جيوبهم واسعة فربما يشدونها وربما يتركونها مفتوحة مطلقة‏.‏

قوله ‏(‏فمسست‏)‏ بكسر السين الأولى‏.‏

قوله ‏(‏الخاتم‏)‏ يعني خاتم النبوة تبركًا به وليخبر به من لم يره‏.‏

قوله ‏(‏إلا مطلقي‏)‏ بكسر اللام وفتح القاف‏.‏

والحديث يدل على أن إطلاق الزرار من السنة‏.‏ والمصنف أورد ههنا توهمًا منه أنه معارض بحديث سلمة بن الأكوع الذي مر وليس الأمر كذلك لأن حديث سلمة خاص بالصلاة وهذا الحديث ليس فيه ذكر الصلاة ويمكن أن يكون مراد المصنف بإيراده ههنا الاستدلال به على جواز إطلاق الزرار في غير الصلاة وإن كانت ترجمة الباب لا تساعد على ذلك قال رحمه اللَّه‏:‏ وهذا محمول على أن القميص لم يكن وحده اهـ‏.‏

 

باب استحباب الصلاة في ثوبين وجوازها في الثوب الواحد

1 - عن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏أن سائلًا سأل النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم عن الصلاة في ثوب واحد فقال‏:‏ أولكلكم ثوبان‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا الترمذي زاد البخاري في رواية‏:‏ ‏(‏ثم سأل رجل عمر فقال‏:‏ إذا وسع اللَّه فأوسعوا جمع رجل عليه ثيابه صلى رجل في إزار ورداء في إزار وقميص في إزار وقبا في سراويل ورداء في سراويل وقميص في سراويل وقبا في تبان وقبا في تبان وقميص‏.‏ قال‏:‏ وأحسبه قال‏:‏ في تبان ورداء‏)‏‏.‏

قوله ‏(‏أن سائلًا‏)‏ ذكر شمس الأئمة السرخسي الحنفي في كتابه المبسوط أن السائل ثوبان‏.‏

قوله ‏(‏أولكلكم ثوبان‏)‏ قال الخطابي‏:‏ لفظه استخبار ومعناه الإخبار على ما هم عليه من قلة الثياب ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى كأنه يقول‏:‏ إذا علمتم أن ستر العورة فرض والصلاة لازمة وليس لكل أحد منكم ثوبان فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة أي مع مراعاة ستر العورة‏.‏ وقال الطحاوي‏:‏ معناه لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبًا واحدًا اهـ‏.‏ قال الحافظ‏:‏ وهذه الملازمة في مقام المنع للفرق بين القادر وغيره والسؤال إنما كان عن الجواز وعدمه لا عن الكراهة‏.‏

قوله ‏(‏ثم سأل رجل عمر‏)‏ يحتمل أن يكون ابن مسعود لأنه اختلف هو وأُبيَّ بن كعب فقال أُبيَّ‏:‏ الصلاة في الثوب الواحد غير مكروهة وقال ابن مسعود‏:‏ إنما كان ذلك وفي الثياب قلة فقام عمر على المنبر فقال‏:‏ القول ما قال أُبيَّ ولم يأل ابن مسعود أي لم يقصر أخرجه عبد الرزاق‏.‏

قوله ‏(‏جمع رجل‏)‏ هذا من قول عمر وأورده بصيغة الخبر ومراده الأمر‏.‏ قال ابن بطال‏:‏ يعني ليجمع وليصل وقال ابن المنير‏:‏ الصحيح أنه كلام في معنى الشرط كأنه قال‏:‏ إن جمع رجل عليه ثيابه فحسن ثم فصل الجمع بصور‏.‏ قال ابن مالك‏:‏ تضمن هذا فائدتين‏:‏ الأولى ورود الماضي بمعنى الأمر في قوله صلى والمعنى ليصل والثانية حذف حرف العطف ومثله قوله صلى اللَّه عليه وآله وسلم ‏(‏تصدق امرؤ من ديناره من درهمه من صاع تمره‏)‏‏.‏

قوله ‏(‏في سراويل‏)‏ قال ابن سيده‏:‏ السراويل فارسي معرب يذكر ويؤنث ولم يعرف أبو حاتم السجستاني التذكير والأشهر عدم صرفه‏.‏

قوله ‏(‏وقبا‏)‏ بالقصر وبالمد‏.‏ قيل هو فارسي معرب وقيل عربي مشتق من قبوت الشيء إذا ضممت أصابعك سمي بذلك لانضمام أطرافه‏.‏

قوله ‏(‏في تبان‏)‏ التبان بضم المثناة وتشديد الموحدة وهو على هيئة السراويل إلا أنه ليس له رجلان وهو يتخذ من جلد‏.‏

قوله ‏(‏وأحسبه‏)‏ القائل أبو هريرة والضمير في أحسبه راجع إلى عمر ومجموع ما ذكر عمر من الملابس ستة ثلاثة للوسط وثلاثة لغيره فقدم ملابس الوسط لأنها محل ستر العورة وقدم أسترها وأكثرها استعمالًا لهم وضم إلى كل واحد واحدًا فخرج من ذلك تسع صور من ضرب ثلاثة في ثلاثة ولم يقصد الحصر في ذلك بل يلحق به ما يقوم مقامه‏.‏

والحديث يدل على أن الصلاة في الثوب الواحد صحيحة ولم يخالف في ذلك إلا ابن مسعود وقد تقدم ذلك وتقدم قول النووي لا أعلم صحته وتقدم الإجماع على أن الصلاة في ثوبين أفضل صرح بذلك القاضي عياض وابن عبد البر والقرطبي والنووي وفي قول ابن المنذر واستحب بعضهم الصلاة في ثوبين إشعار بالخلاف‏.‏

2 - وعن جابر‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم صلى في ثوب واحد متوشحًا به‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏

الحديث أخرجه مسلم من رواية سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر ومن رواية عمرو بن الحارث عن أبي الزبير‏.‏ ورواه أبو داود من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال‏:‏ ‏(‏أمنا جابر‏)‏ الحديث ولم يخرجه البخاري من حديث جابر بهذا اللفظ الذي ذكره المصنف بل أخرج نحوه من حديث عمر بن أبي سلمة الذي سيأتي‏.‏

قوله ‏(‏متوشحًا به‏)‏ قال ابن عبد البر حاكيًا عن الأخفش‏:‏ إن التوشح هو أن يأخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى فيلقيه على منكبه الأيمن ويلقي طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليمنى على منكبه الأيسر قال‏:‏ وهذا التوشح الذي جاء عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم أنه صلى في ثوب واحد متوشحًا به‏.‏

والحديث يدل على جواز الصلاة في الثوب الواحد إذا توشح به المصلي وقد تقدم الكلام في ذلك‏.‏

3 - وعن عمر بن أبي سلمة قال‏:‏ ‏(‏رأيت النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم يصلي في ثوب واحد متوشحًا به في بيت أم سلمة قد ألقى طرفيه على عاتقيه‏)‏‏.‏

رواه الجماعة‏.‏

قوله ‏(‏متوشحًا به‏)‏ في البخاري والترمذي مشتملًا‏.‏ وفي بعض روايات مسلم‏:‏ ‏(‏ملتحفًا به‏)‏ وقد جعلها النووي بمعنى واحد فقال‏:‏ المشتمل والمتوشح والمخالف بين طرفيه معناه واحد هنا وقد سبقه إلى ذلك الزهري وفرق الأخفش بين الاشتمال هو أن يلتف الرجل بردائه أو بكسائه من رأسه إلى قدمه ويرد طرف الثوب الأيمن على منكبه الأيسر قال‏:‏ والتوشح وذكر ما قدمنا عنه في شرح الحديث الذي قبل هذا‏.‏

وفائدة التوشح والاشتمال والالتحاف المذكورة في هذه الأحاديث أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع ولئلا يسقط الثوب عند الركوع والسجود قاله ابن بطال‏.‏

قوله ‏(‏قد ألقى طرفيه على عاتقيه‏)‏ قد تقدم الكلام في ذلك‏.‏

والحديث يدل على أن الصلاة في الثوب الواحد صحيحة إذا توشح به المصلي أو وضع طرفه على عاتقه أو خالف بين طرفيه وقد تقدم الكلام في ذلك‏.‏

 باب كراهية اشتمال الصماء

1 - عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال‏:‏ ‏(‏نهى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء وأن يشتمل الصماء بالثوب الواحد ليس على أحد شقيه منه يعني شيء‏)‏‏.‏

متفق عليه‏.‏ وفي لفظ لأحمد‏:‏ ‏(‏نهى عن لبستين أن يحتبي أحدكم في الثوب الواحد ليس على فرجه منه شيء وأن يشتمل في إزاره إذا ما صلى إلا أن يخالف بطرفيه على عاتقيه‏)‏‏.‏

قوله ‏(‏أن يحتبي‏)‏ الاحتباء أن يقعد على إليتيه وينصب ساقيه ويلف عليه ثوبًا ويقال له الحبوة وكانت من شأن العرب‏.‏

قوله ‏(‏ليس على فرجه منه شيء‏)‏ فيه دليل على أن الواجب ستر السوأتين فقط ـ نهى النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم عن تلك الهيئة لا يدل على جواز غيرها حتى يستدل منه على أن الواجب ستر السوأتين فقط‏.‏ واللَّه أعلم ـ‏.‏ لأنه قيد النهي بما إذا لم يكن على الفرج شيء ومقتضاه أن الفرج إذا كان مستورًا فلا نهي‏.‏

قوله ‏(‏وأن يشتمل الصماء‏)‏ هو بالصاد المهملة والمد قال أهل اللغة‏:‏ هو أن يجلل جسده بالثوب لا يرفع منه جانبًا ولا يبقي ما تخرج منه يده‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ سميت صماء لأنه يسد المنافذ كلها فيصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق‏.‏ وقال الفقهاء‏:‏ هو أن يلتحف بالثوب ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه فيصير فرجه باديًا‏.‏ قال النووي‏:‏ فعلى تفسير أهل اللغة يكون مكروهًا لئلا تعرض له حاجة فيتعسر عليه إخراج يده فيلحقه الضرر وعلى تفسير الفقهاء يحرم لأجل انكشاف العورة‏.‏ قال الحافظ‏:‏ ظاهر سياق البخاري من رواية يونس في اللباس أن التفسير المذكور فيها مرفوع وهو موافق لما قال الفقهاء ولفظه سيأتي في هذا الباب وعلى تقدير أن يكون موقوفًا فهو حجة على الصحيح لأنه تفسير من الراوي لا يخالف ظاهر الخبر‏.‏

قوله ‏(‏وفي لفظ لأحمد‏)‏ هذه الرواية موافقة لما عند الجماعة في المعنى إلا أن فيها زيادة وهو قوله إذا ما صلى وهي غير صالحة لتقييد النهي بحالة الصلاة لأن كشف العورة محرم في جميع الحالات إلا ما استثني والنهي عن الاحتباء والاشتمال لكونهما مظنة الانكشاف فلا يختص بتلك الحالة‏.‏

قوله ‏(‏لبستين‏)‏ هو بكسر اللام لأن المراد بالنهي الهيئة المخصوصة لا المرة الواحدة من اللبس‏.‏

والحديث يدل على تحريم هاتين اللبستين لأنه المعنى الحقيقي للنهي وصرفه إلى الكراهة مفتقر إلى دليل‏.‏

2 - وعن أبي سعيد‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم نهى عن اشتمال الصماء والاحتباء في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء‏)‏‏.‏

رواه الجماعة إلا الترمذي فإنه رواه من حديث أبي هريرة‏.‏ وللبخاري ‏(‏نهى عن لبستين‏)‏ واللبستان اشتمال الصماء والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب واللبسة الأخرى احتباؤه بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شيء‏)‏‏.‏

قد تقدم الكلام على الحديث في شرح الذي قبله‏.‏

 باب النهي عن السدل والتلثم في الصلاة

1 - عن أبي هريرة‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه‏)‏‏.‏

رواه أبو داود‏.‏ ولأحمد والترمذي عنه النهي عن السدل‏.‏ ولابن ماجه النهي عن تغطية الفم‏.‏

الحديث قال الترمذي‏:‏ لا نعرفه من حديث عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا إلا من حديث عسل بن سفيان ـ قال الحافظ في التقريب‏:‏ عسل بكسر أوله وسكون المهملة وقيل بفتحتين التيمي أبو قرة البصري ضعيف من السادسة‏.‏ واللَّه أعلم ـ‏.‏ وأخرجه الحاكم في المستدرك من الطريق التي رواها أبو داود بالزيادة التي ذكرها وقال‏:‏ هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجا فيه تغطية الرجل فاه في الصلاة اهـ وكلامه هذا يفهم أنهما أخرجا أصل الحديث مع أنهما لم يخرجاه‏.‏

وفي الباب عن أبي جحيفة عند الطبراني في معاجمه الثلاثة والبزار في مسنده وفي إسناده حفص ابن أبي داود وقد اختلف فيه عليه وهو ضعيف وكذلك أبو مالك النخعي وقد ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم‏.‏ قال البيهقي‏:‏ وقد كتبناه من حديث إبراهيم ابن طهمان عن الهيثم فإن كان محفوظًا فهو أحسن من رواية حفص‏.‏

وفي الباب أيضًا عن ابن مسعود عند البيهقي وقد تفرد به بسر بن رافع وليس بالقوي‏.‏ وعن ابن عباس عند ابن عدي في الكامل وفي إسناده عيسى بن قرطاس وليس بثقة وقال النسائي‏:‏ متروك الحديث وقال ابن عدي‏:‏ هو ممن يكتب حديثه‏.‏

وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بحديث الباب فمنهم من لم يحتج به لتفرد عسل بن سفيان وقد ضعفه أحمد‏.‏ قال الخلال‏:‏ سئل أحمد عن حديث السدل في الصلاة من حديث أبي هريرة فقال‏:‏ ليس هو بصحيح الإسناد وقال‏:‏ عسل بن سفيان غير محكم الحديث وقد ضعفه الجمهور يحيى بن معين وأبو حاتم والبخاري وآخرون وذكره ابن حبان في الثقات وقال‏:‏ يخطئ ويخالف على قلة روايته اهـ‏.‏ وقد أخرج له الترمذي هذا الحديث فقط وأبو داود أخرج له هذا وحديثًا آخر وقد تقدم تصحيح الحاكم لحديث أبي هريرة‏.‏ وعسل بن سفيان لم يتفرد به فقد شاركه في الرواية عن عطاء الحسن بن ذكوان وترك يحيى له لم يكن إلا لقوله أنه كان قدريًا وقد قال ابن عدي‏:‏ أرجو أنه لا بأس به‏.‏

قوله ‏(‏نهى عن السدل‏)‏ قال أبو عبيدة في غريبه‏:‏ السدل إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه فإن ضمه فليس بسدل وقال صاحب النهاية‏:‏ هو أن يلتحف بثوبه ويدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو كذلك قال‏:‏ وهذا مطرد في القميص وغيره من الثياب قال‏:‏ وقيل هو أن يضع وسط الإزار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه‏.‏

وقال الجوهري‏:‏ سدل ثوبه يسدله بالضم سدلًا أي أرخاه‏.‏ وقال الخطابي‏:‏ السدل إرسال الثوب حتى يصيب الأرض اهـ‏.‏ فعلى هذا السدل والإسبال واحد‏.‏ قال العراقي‏:‏ ويحتمل أن يراد بالسدل سدل الشعر ومنه حديث ابن عباس‏:‏ ‏(‏أن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم سدل ناصيته‏)‏ وفي حديث عائشة أنها سدلت قناعها وهي محرمة أي أسبلته اهـ‏.‏ ولا مانع من حمل الحديث على جميع هذه المعاني إن كان السدل مشتركًا بينها وحمل المشترك على جميع معانيه هو المذهب القوي‏.‏

وقد روي أن السدل من فعل اليهود أخرج الخلال في العلل وأبو عبيد في الغريب من رواية عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه عن علي عليه السلام ‏(‏أنه خرج فرأى قومًا يصلون قد سدلوا ثيابهم فقال‏:‏ كأنهم اليهود خرجوا من قهرهم‏)‏ قال أبو عبيد‏:‏ هو موضع مدارسهم الذي يجتمعون فيه‏.‏ قال صاحب الإمام‏:‏ والقهر بضم القاف وسكون الهاء موضع مدارسهم الذي يجتمعون فيه وذكره في القاموس والنهاية في الفاء لا في القاف‏.‏

ـ والحديث يدل ـ على تحريم السدل في الصلاة لأنه معنى النهي الحقيقي وكرهه ابن عمر ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري والشافعي في الصلاة وغيرها‏.‏ وقال أحمد‏:‏ يكره في الصلاة‏.‏ وقال جابر بن عبد اللَّه وعطاء والحسن وابن سيرين ومكحول والزهري‏:‏ لا بأس به وروي ذلك عن مالك وأنت خبير بأنه لا موجب للعدول عن التحريم إن صح الحديث لعدم وجدان صارف له عن ذلك‏.‏

قوله ‏(‏وأن يغطي الرجل فاه‏)‏ قال ابن حبان‏:‏ لأنه من زي المجوس قال‏:‏ وإنما زجر عن تغطية الفم في الصلاة على الدوام لا عند التثاؤب بمقدار ما يكظمه لحديث ‏(‏إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه فإن الشيطان يدخل‏)‏ وهذا لا يتم إلا بعد تسليم عدم اعتبار قيد في الصلاة المصرح به في المعطوف عليه في جانب المعطوف وفيه خلاف ونزاع‏.‏ وقد استدل به على كراهة أن يصلي الرجل ملتثمًا كما فعل المصنف‏.‏